الشيخ محمد جواد البلاغي

65

الهدى إلى دين المصطفى

قال الله تعالى شأنه في شأن ذي القرنين في سورة الكهف 84 ( حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ) . فاعترض المتكلف على ذلك ( يه 2 ج ص 91 ) ، وجعله من الجهل بمبادئ علم الفلك . ( قلت ) : لا يخفى أن المغرب أمر مبهم إضافي ، وأن لكل ناحية مغربا وهو ما تغيب فيه الشمس عن تلك الناحية ، والمغرب العمومي للمعمور القديم وهو ( آسيا وإفريقيا وأوربا ) إنما هو البحر المحيط ، فالشمس لا تغرب عن المعمور المعتد به من هذه القطع الثلاث إلا ويكون تمام غروبها أو بعضه في البحر المحيط . والآية الكريمة تعرضت لسر الغيب الذي أظهره الاكتشاف بعد قرون عديدة ، وجرى التعبير في الآية عن البحر بالعين مجازا ، كما جرى التعبير في بليغ الكلام عن الفرات بالنطفة ( وهي القطرة من الماء ونحوها ) وهو من محاسن المجازات في مقامها ، وبوصف هذه العين بكونها حمئة ذات طين قد أشير إلى غيب ( أمريكا ) لأنه لا يكون تخصيص هذا البحر ، ووصفه بكونه ذا طين إلا باعتبار الإشارة إلى أمريكا ، فلا تحسب أن وصف البحر بكونه ذا طين كان باعتبار وجود الطين في قراره أو حافاته وشواطئه ، لأن كل بحر وكل نهر وكل عين لا بد أن يكون في حافاته وقراره طين ، فلا بد أن يكون المراد هو الطين الذي في وسطه . ومقتضى المناسبة في وصف المحيط العظيم بأن في وسطه طينا لا بد أن يكون المراد منه قطعة أمريكا ، ألا ترى أن أقل الأقطار لهذا المحيط يبلغ مائة وثمانين درجة ، كما في ناحية الدرجة السادسة والستين وما قاربها من العرض الشمالي ، فما ظنك بالطين المناسب لوصف هذا البحر به ، أتراه يناسب أن يكون غير أمريكا . ( فإن قلت ) : إذن فلماذا عدل عن إيضاح هذه الحقيقة بالصراحة إلى الإشارة إليها بهذه الإشارة وهذه العبارة ( قلنا ) : إن حمكة الوحي في دعوته إلى الهدى ودين الحق لتقتضي أن لا يلقي على أذهان الناس شيئا يثقل عليها